‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. مصطفى محمود. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. مصطفى محمود. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 13 أكتوبر 2014

مقال : لماذا خلق الله الدنيا ؟ من كتاب : هل هو عصر الجنون ؟ للدكتور مصطفى محمود


من الميلاد إلى الموت و الإنسان في صراع .. مادته و ترابه يشدانه إلى تحت ، و روحه تشده إلى فوق صراع بين عدم و وجود و العدم ليس مجرد خواء .. أو لا شيء .. و إنما العدم قوة سالبة بمثل ما أن الوجود قوة موجبة المرض و الشيخوخه و الذبول و الهزل قوى عدمية سالبة غلبت على الجسم ، فجعلته مريضاً ذابلاً هزيلاً فإذا غلبت هذه القوى العدميه على النفس .. جعلت المزاج النفسي متشائماً يائساً قلقاً سوداوياً كئيباً .. فإذا غلبت على القلب نزلت به إلى درك الحقد و الأنانية و الكبر و الغرور و النفاق و الشهوة فإذا غلبت على العقل أظلمته بغواشي الجهالة و الغباء و البلادة فإذا أغشت البصيرة ألقت بها في مهاوي الكفر و الشرك و الظلم و للعدم جيوش و فرسان .. و له جنود مجندة السوس الذي ينخر .. و البكتيريا التي تحلل و تهدم .. الفيروسات التي تنشر الفوضى و التلف .. مروجوا المخدرات ، ناشرو الفتن ، و تجار الشهوات .. التتار ، الهكسوس ، و الوندال ، الذين هدموا الحضارات .
كل هؤلاء جنود العدم وفرسانه ! و من وراء الغيب .. إبليس و ذريته ، أكبر قوة سالبه عدمية .. شعاره و رايته التي يلوح بها .. أنا .. أنا .. أنا خير منه و هو يجري فينا مجرى الدم ، بمقدار ما يقول الواحد فينا .. أنا .. أنا .. أنا خير منه و لكن الله لم يتركنا نهباً للقوى العدمية السالبة و إنما أعطانا أعلى شحنة موجبة حينما نفخ فينا من روحه و الله هو الفاعل الإيجابى الخالص .. نفخته روح ، و كلمته روح ، و حينما تلابس روحة المادة ، تخلع عليها الصور و النظام و الحياة و الحركه و الشباب و الصحة و العقل و الوعي و الفهم ، و السجايا والفضائل و الحياة بالروح ، هي الحياة الحقّة بلا مرض و بلا موت ، و بلا شيخوخة و غلبة الروح على النفس ، تنزع بها الكمال والنقاء والطهر و غلبة الروح على العقل تنزع به إلى الإدراك ، و العلم و المعرفة و غلبة الروح على الجسد تداوي أسقامه .. و تشفي أمراضه .
و لعالم الروح جنوده المجنده من الملائكة مثلما لعالم الظلمة شياطينه .. و قد أطلق الله القوى السالبة العدمية ، تنازع القوى الموجبة الوجودية بمشيئته و خطته .. و انفرد بالهيمنه لا ينازعه أحد في ملكه و خلق النفس الإنسانية قابلة للانفعال بالقوتين السالبة .. و الموجبة قابلة للانحدار الإبليسى أو التحليق الملائكى .. و جعلها مجال صِراع و حلبة قتال ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) أي في مكابدة و من خلال هذا القتال ينكشف محتوى النفس و يتجلى سرها و تتقرر منزلتها و يظهر مرادها .. وي تأكد إنتماؤها و هذه هي الدنيا و حكمتها ( الذى خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) الدنيا هي المناسبة .. هي المناسبة للتعرف هي سائل التحميض الذي يظهر الظل و النور في الصور الفوتوغرافية .
و هذا تفعل بنا الدنيا ، تظهرنا على حقائقنا و تظهر ما فينا من ظلمة ونور ، فنرى بعضنا البعض في عيون بعضنا البعض ، و نتعرف على أنفسنا من خلال أفعالنا ويفضي كل واحد منا بما يكتم في قلبه في لحظة أو أخرى .
و هكذا تتفاضل النفوس و تتقرر مراتبها و درجاتِها .
هي مناسبة للتعرف ، خلقها الله ليعطينا من فضله و من عدله ، يحسب إستحقاقات يعلمها منذ الأزل ، و لا نعلمها نحن و الدنيا هي حادثة إعلامنا و تعريفنا بأنفسنا .. وإعلام و تعريف كافة شهود الحدث من إنس و جن و ملائكة و شياطين فلا تصح القضايا إلا اذا تم إعلام جميع الأطراف و علم الله لا يقوم حجة على خلقة إذا كان هؤلاء الخلق جاهلين فكان لابد من إعلام شامل كامل و الدنيا هي الإعلام الشامل الكامل و هي ملف الأحوال و الأعمال و النوايا و الخفايا لكل نفس ثم بعد ذلك يآتي النشر و الحشر و الجمع و الفصل و قد رتب الله كل هذا من أجل ان يعطي ويهب و يمنح .. فما خلقنا إلا ليعطينا لم يخلقنا لعذاب و ما أنزل علينا الشرائع وا لتكاليف إلا ليسعدنا ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقىّ ) و في سنتة يعطي كل مخلوق ما يحب الذي يحب الدنيا .. يعطيه من الدنيا ، و الذي يحب الآخرة يعطيه من الآخرة .. و الذي يعشق الظلمة ، يتركه للظلمة .
و من النفوس ما لا تلذ لها إلا حياة الاشتعال و الاحتراق و الشهوات .. تلك النفوس كانت بضعة من النار فإنتهت إلى النار بحكم المشاكلة والمجانسة و لم يصح لها مقام إلا فيها و لم يكن لها حظ من جنة لأنها أصلاً لا تحب الجنة .. إنما يعطى الله كل نفس ما تحب ( و آتاكم من كل ما سألتموه ) ( كلا نُمِد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا ) فقد جعل الله من نفسة وكيلا لنا ينفذ لنا رغباتنا .. ثم تكون كل نفس بعد ذلك ما كسبت رهينة وإذا كان الله يقول : ( و ما خلقت الجن و الإنس إلاّ ليعبدون ) فليس ذلك عن إحتياج منه لعبادتنا ، و إنما لإحتياجنا نحن لعبادته .. و لأن العبادة هي الحبل السرى الذي يربطنا به و الذي عن طريقه يأتي المدد و العطاء مثلما يآتي الغذاء للجنين من الأم عن طريق الحبل السري ، فإذا انقطع هذا الحبل انقطع عن الجنين غذاؤه .. و بالمثل اذا قطعت هذا الحبل بينك و بين الله ، فقد حرمت نفسك من شريان المدد و العطاء و لم يحرمك ربك بل أنت الذي حرمت نفسك و قطعت رحمك و إنما الله رحمة خالصة ، و عطاء خالص ، و قرب خالص و إنما الجفوة و البعد والقطيعة منا و ما الدنيا بكل ما فيها الا عطاء عاجل مؤقت يعقبه في الآخرة عطاء آجل دائم فما خلقنا الله إلا ليعطينا في العاجل و في الآجل ألم ينفخ فينا روحة و يخلع علينا أسماءه و يسجد لنا ملائكته و يسخر لنا سماواته و يفتح لنا كنوز أرزاقه و يطعمنا كفاراً و مؤمنين ثم بعد ذلك يعدنا بميراث الخلود ، فماذا بعد ذلك و هل في الامكان عطاء أكثر ؟ لو كان هناك أكثر فإنه هو ايضا الوحيد القادر على اعطائه .. فهو وحده معطي الكثير و الأكثر و الكوثر فهو يقول لعبده : ( إنا أعطيناك الكوثر ) و من أجل ذلك خلقه فما خلق الا ليعطي و ما خلق الا ليرحم ذلكم الله ربكم لا يكافئه ثناء ولا يتناهي الى قدره حمد لا آله إلا هو له الحمد في الأولى و الآخرة .
..
مقال : لماذا خلق الله الدنيا ؟
من كتاب : هل هو عصر الجنون ؟




الجمعة، 3 أكتوبر 2014

الحكمة من شعائر الحج كما وصفها الدكتور مصطفى محمود


سألني صديقي و هو رجل كثير الشك :
و ما السر في ثياب الاحرام البيضاء و ضرورة لبسها علي اللحم و تحريم لبس المخيط .. و ما معني رجم ابليس و الطواف حول الكعبة .. ألا تري معي أنها وثنية ؟؟
قلت له : أنت لا تكتفي بأن تحب حبيبك حباً عذرياً أفلاطونياً .. و إنما تريد أن تعبر عن حبك بالفعل .. بالقبلة و العناق و اللقاء .. هل أنت وثني ؟؟؟
و بالمثل من يسعي إلى الله بعقله و قلبه .. يقول له الله : إن هذا لا يكفي .. لابد أن تسعي علي قدميك .
و الحج و الطواف رمز للسعي الذي يكتمل فيه الحب شعوراً و قولاً و فعلاً
و هنا معني التوحيد 
أن تتوحد جسداً و روحاً بأفعالك و كلماتك 
و لهذا نركع و نسجد في الصلاة و لا نكتفي بخشوع القلب ..

فهذه الوحدة بين القلب والجسد يتجلي فيها الإيمان بأصدق مما يتجلي في رجل يكتفي بالتأمل
أما ثياب الاحرام البيضاء فهي رمز الوحدة الكبرى التي تذوب فيها الأجناس و يتساوي الفقير و الغني .. و نحن نلبسها علي اللحم .. كما حدث حينما نزلنا إلى العالم في لحظة الميلاد و كما سوف يحدث حينما نغادره بالموت .. جئنا ملفوفين في لفافة بيضاء علي اللحم .. و نخرج من الدنيا بذات اللفة
هي رمز التجرد .. لأن لحظة لقاء الله تحتاج اإلى التجرد كل التجرد ..
و لهذا قال الله لموسى : "اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى "
هو التجرد المناسب لجلال الموقف ..
و هذا هو الفرق بين لقاء رئيس الجمهورية و لقاء الخالق ..
فنحن نرتدي لباس التشريفة لنقابل رئيس الجمهورية .. أما أمام الله فنحن لا شيء .. لا نكاد نساوي شيئاً
و علينا أن نخلع كل ثياب الغرور و كل الزينة ..
~~
كتاب / الطريق إلى الكعبة .



الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

لغة القرآن مقال للدكتور مصطفى محمود



اللغة العربية
لغة الضاد
 تتراجع و معها أسماء الدكاكين و أسماء المأكولات لتزحف علينا غزوات أعجميه تقتحم علينا حياتنا و تصبغها بالصبغه الأمريكيه .. فالقرى السياحية الجديدة تملأ الصحف بأسماء .. الدريم لاند و الكورال بيتش و بيفرلي هيلز و جولان بيتش

و تدخل هذه الرطانه قاموسنا اللغوي و تحتله .. و نجد أنفسنا نقول .. دادي .. و أونكل.. و تانت .. و بودي جارد .. و كتالوج .. و باسبور.. و ستريو .. و سوبر ماركت.. و بون جور.. و باي باي .. و بارتي .. و هاي.. و أوكيه .. و هالو.. و برافو .. و سوفاج .. و إم بوسيبل .....

و يجري التشويه و العبث في الألفاظ العربية فنسمع كلمات مثل كماننا يغنيها الجيل الجديد الضائع .. و ننسي أننا نفقد بهذا أرضنا التي نقف عليها و نفقد عروبتنا و نفقد قوميتنا و نفقد قيمنا و نفقد خصائصنا ..

فلا عجب أن تختفي الشهامة العربية بعد ذلك من الشارع .. و أن يختفي الشرف بمفهومه العربي من البيت و أن تكون العروسة السوبر في نظر العريس هي مسخ فرانكو أراب ..
فهذا هو القالب الجديد الذي يبحث عنه والذي انطبع في ذهنه من رؤية المسلسلات الأمريكية و السينما الفرنسية .. و هذا هو معنى التقدم كما أخذه من التليفزيون و من أفلام السينما و من كبار المخرجين من حملة الأوسكار و نجوم الإغراء من صناع الموضات و الأهواء

و نظرة سريعة إلى أسماء المحلات في ميدان شعبي مثل ميدان السيدة زينب لا تجد فيه اسما عربياً واحداً و ربما عثرت على اسم يتيم كل عشرة محلات .. و هذا هو الوصف الدقيق لحالنا .. إننا نتحول بالتدريج إلى أيتام بلا أب و بلا أم .. و نصبح غرباء على أرضنا و في بلدنا و نفقد حسبنا و نسبنا و أصلنا

و المسئولية تقع علي كل واحد فينا ابتداء من وزير التربية و التعليم و نزولاً إلى حلاق القرية .. و الاستعمار الفرنسي و من بعده الإنجليزي و من بعده الأمريكي يحمل معظم الوزر

و لكن هذا المسلسل الغاشم من الغزو الأجنبي لا يكفي لإبراء ذمتنا .. فمصر بموقعها الفاتن و العبقري كانت ضحية لموجات من الغزو بلا عدد و لكن كان الملاحظ دائماً أنها تطبع الغزاة بطابعها أكثر مما تنطبع هي بهم ..
و أكثر من دخلوا مصر تمصروا بأكثر مما تفرنجنا نحن وهرولنا ورائهم

و التخلف سبب آخر فنحن لم نعد ننتج المعرفة و لم نعد نبدع في العلوم والمخترعات و إنما أصبحنا مستهلكين لما ينتج و لما يبدع غيرنا و ناقلين لما يخترع الغرب .. فدخلت علينا المخترعات الجديدة بأسمائها.. الراديو و التليفزيون و التليفون و الميكروفون و الموتور و الفريجيدير و الأنسر ماشين و الفيديو و الكاميرا و الكومبيوتر و الإنتركوم و الإنترنت
نحن صناع الأهرامات لم نعد نصنع ساندوتش هامبورجر ولم نعد نخترع كنتاكي

و لولا القرآن ولولا الإسلام لانتهينا .. فالمسجد كان حصناً حصيناً لم تستطع هذه الغزوة المفترسة أن تقتحمه
و لم يظهر مسجد اسمه مسجد الدريم لاند و لا مسجد الكورال بيتش و لا مسجد الباليه رويال.. و لا مسجد التانجو .. و إنما هناك مسجد الرحمة و مسجد المغفرة و مسجد قباء و مسجد النور

و لم يدخل علينا الإسلام غازياً .. لم يدخل علينا ليسلبنا كما يظن البعض .. بل دخل ليعيد إلينا ما فقد منا
توحيد نبينا المصري إدريس.. الذي كان يشع علي العالم من جامعه أون ( عين شمس حالياً ) ، و كانت جامعه أون بمثابة أمريكا في إشعاعها الثقافي و الديني و العلمي في ذلك الزمن القديم .. و نقرأ  أن أفلاطون جاء من اليونان إلى مصر ليتلقي العلم في جامعة أون .. و ليقرأ ما كتب في مخطوطاتها و بقي في مصر سنوات يدرس و يتعلم

و ما فعله أفلاطون فعله كل علماء و فلاسفة هذا العصر .. كلهم جاءوا إلي مصر ليتعلموا .. و هذا الكلام تاريخ و حقائق .. و كانت صحف إدريس ضمن ما تحتويه مخطوطات هذه الجامعة المصرية القديمة .. و قد قرأها موسي و درس ما فيها حينما تبناه الفرعون

و ما تبقي من صحف إدريس هو ما يعرف اليوم بكتاب الموتى الذي عثر علي بعض بردياته في الأهرامات .. و هو من أجمل ما قيل في التوحيد من تسابيح

نحن إذن بلاد علم و فلسفة و تاريخ .. و حالة الهيافة الشائعة حالياً في ثقافتنا و في تعليمنا و هذا الإنحدار في لغتنا و السوقية في أخلاقنا و السطحية في تفكيرنا هي ظواهر غازية و ليست أصيلة .. و هي بقع و قذارات من العالم الغربي أصابتنا أثناء تسكعنا في أزقة نيويورك

و القرآن العظيم في عطائه الإلهي و آياته التي تمكنت من شغاف قلوبنا هي التي ستحفظ لغتنا العربية الجميلة و هي التي ستحفظ قلوبنا من التردي و هي التي ستروي بقيه الأصالة فينا .. إنها الحبل الممدود من رحمه الله لإنقاذنا

و لهذا تحاول الصهيونية من خلال أمريكا و معوناتها و توصياتها و ضغوطها و عملائها تدمير النظام التعليمي في الأزهر وذلك بتخويفنا من الدين و بتشويه الإسلام و دمغه بالإرهاب

و التخطيط الآن علي اتساع العالم هو صناعه و تمويل إرهاب إسلامي مأجور و استخدامه للتنفير و التحذير من الإسلام تمهيداً لشطب فقه الجهاد من العقل المسلم و اعتباره إجراماً و إرهاباً ( و فقه الجهاد هو بعض ما قام المشرفون في الأزهر بشطبه و اختصاره من المقررات الجديدة علي الطلبة للأسف الشديد) ، إنها معركة حقيقية و مستمرة علي جميع الأصعدة .. على المستوى الديني و اللغوي و الاجتماعي و العروبي و السياسي و العسكري و الوطني
و لكنها لن تنجح

لأن القرآن الشامخ في لغته , الرفيع في معانيه , التقدمي في تعاليمه السمح في شرائعه , الجميل في آياته , الموسيقي في إيقاعاته ، سوف يقف سداً مانعاً يتحطم عليه مكرهم

فعندهم المباني .. و عندنا المعاني

و عندهم علوم الدمار
 و كان قوم عاد ينحتون الجبال .. و كان عندهم ما هو أبهى من نيويورك .. ( إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ) .. هكذا يقول عنها رب العالمين .. أنها لم يخلق مثلها في البلاد ، فذهبوا و ذهبت عمارتهم و لم يبق لها أثر .. و بقيت أهراماتنا تدل علينا
تلك عاد التي أسماها القرآن عاداً الأولى.. لماذا وصفها بأنها الأولى ؟؟
لابد أننا الآن في زمان عاد الثانية ( أمريكا ) و أنه سيجري علي الثانية ما جرى علي الأولى

ويقول الساخرون منهم
أنتم تنتظرون ربكم أن يفعل لكم كل شيء .. فهو يلهمكم و يعلمكم و ينصركم و يداويكم و يشفيكم و يغنيكم .. و قد جعلتم من أنفسكم عالة .. بل أنتم قوم مهزومون
و نقول لهم .. كل الخلق عالة علي الله من حيث يعلمون و من حيث لا يعلمون

و لا نري غرابة في هذا فنحن نشعر يقيناً بأننا نحيا بالله و أننا نرى به و نسمع به و نتنفس به .. و كان نبينا يقول لربه .. بك أحيا و بك أصول و بك أجول و لا فخر لي .. إنها حقيقة نؤمن بها ، فلا علم لنا إلا من مدده

و هو الذي علمكم فأطغاكم علمكم و أنساكم ذكره
و ما النصر و الهزيمة إلا تداول النهار و الليل .. و الأيام دول .. و ما من جبار لم تنتكس رايته
و كم من منتصر في الظاهر و هو مهزوم القلب أمام شهواته وغرائزه
واقرؤوا حكايات مونيكا و كلينتون .. و لماذا استنكرتم أفعال الرجل و هو يطبق أفكاركم و يمشي علي ناموسكم

أم أنها صحوة الفطرة أصابتكم فلم تملكوا إلا أن تقبحوا القبيح ؟؟
أم أنها لبسة المكر و أساليب التآمر و ماكياج الأخلاق تضعونه علي وجوهكم في الليل و تغسلونه بالنهار ؟؟

إحترنا فيكم
و يقولون.. نحن لم نقبح فيه الفعل .. بل قبحنا فيه الكذب
ـ و لما تاب و أناب و استغفر ماذا فعلتم ؟
ـ إنه لم يتب و لا استغفر بل استرسل في الكذب .. إنه ممثل عظيم

ـ و هل مدنيتكم بأسرها إلا أزياء و مسوح و ماكياج و أكاذيب و أكبرها كذباً تمثال الحرية الواقف علي مدخل أمريكا .. حرية من و أنتم تستعبدون أحرار العالم و تأكلون أموالهم و تنهبون ديارهم و تحتلون أرضهم .. و هل قامت أمريكا إلا على أنقاض الهنود الحمر الذين أُبيدوا عن آخرهم
و قنابلكم على مصنع الشفاء.. التي حرمت الشعب السوداني من الدواء .. أي حرية صنعت

و يستمر الكلام إلى الأبد.. ويستمر الجدل في كل بيت .. و تستمر مكابرة المكابرين
وإنما أراد الله أن يمتحن الكل و أن يختبر القلوب و النفوس حتى نخاع العظام

وهو هو وحده الذي يعطي الحرية للجميع ليفعل كل امرئ ما يحلو له حتى لا يعود لأحد منهم عذر و حتى لا تبقى له ذريعة و لا تعود له حجة .. ثم يهدم ربنا الدنيا و يأتي بعاليها سافلها
ثم يأتي بالكل أمامه فرداً فرداً
ثم يبدأ الكلام المفيد
و ساعتها .. حينما تتعري النفوس عن أحقادها .. لا يعود هناك مخرج
فريق في الجنة و فريق في السعير
و لقد كانوا جحيم هذه الدنيا و سعيرها بالفعل حتى وهم فيها
و كانت النار تقدح في نظراتهم و اللهيب يشتعل في أحقادهم

و لقد صدق الشيخ الأكبر ابن عربي حينما تصور ذلك الحوار الخيالي في قاع الجحيم بين هولاء الشياطين و بين ربهم .. و هم في ثورتهم يجارون .. كيف تحكم علينا بهذا يارب ؟
فيقول لهم ربهم
ما حكمنا عليكم و لكن هكذا كنتم

فهم أهل الجحيم منذ البداية و هم أهل النار الذين هم أهلها منذ أن وجدوا .. و لكن الهيكل الترابي و البدن الطيني كان يخفي حقائقهم
و قد تنكروا في هذه الأزياء و استتروا في هذه المناصب و تخفوا في هذه الشخوص .. حتى داهمهم الموت فخلع عنهم هذا البهرج و أسقط عنهم هذا الثوب الكاذب الزائف
فمتى نسقط عن أنفسنا هذا الزيف بأيدينا قبل أن يفاجئنا الموت فيعرينا هذه التعرية المخجلة
متى نعود إلى مصريتنا و إلى عروبتنا و إلى  إسلامنا و إلى لغتنا و إلى أصلنا
متى نلتقط قارب العبور في محيط العولمة الخادع و نكتشف طريقنا إلى نفوسنا و إلى حقائقنا و إلى تميزنا و انفرادنا و خصوصيتنا
إن العودة إلى النفس هي بداية النجاة ، و معرفه النفس هي أم المعارف و بداية الطريق لمعرفه الله

و البنت السوبر لن تصلح لتعمر بيتك إنها قد تصلح كقطعه ديكور .. أو كورق ملون للحائط .. أو كدمية من السوليفان .. أو فيلم لفرجة ليلة
و لكنها لن تصلح لرحله عمر .. لأنها فقدت نفسها .. فقدت خصوصيتها
و كل نسخة من نفوسنا خلقها الله كبصمة الإصبع خاصة جداً و شديدة الخصوصية و غير قابله للتكرار و غير قابلة للعولمة .. فهي ذات ليس لها مثيل في سرها و خصوصيتها .. و هي تلمع و تتألق كالجوهرة كلما حافظت على هذه الخصوصية و لم تذب و لم تتعولم و لم تصبح مشاعاً

و النفوس العظيمة هي التي استعصت علي الذوبان و حافظت على البصمة الإلهية الخاصة فيها
و ما أكثر ما تروج صحافتنا من ضلالات
 و أولى تلك الضلالات هي العولمة و هي كلمه مهذبه جداً للتبعية و الأمركة و فقدان الهوية و الخصوصية و الذوبان في الهلامية العالمية


و ليس أجمل في الدنيا من قول لا اله إلا الله
فإن الله يقول لك لحظتها .. و لا أحد مثلك .. فأنت أيضاً نسيج وحدك .. و هكذا خلقتك
نعم .. فلا أحد مثل أحد .. و كل واحد منا فيه أحديه تميزه تشريفاً و تكريماً من الأحد الذي خلقه
و لا تحدث المثلية إلا لمن فقدوا نفوسهم و فقدوا وجوههم و ضلوا عن خصوصيتهم

فلنعد إلى أول صفحة من كتاب الموتى و نتلو أول عبارة من صحف النبي إدريس ( عليه السلام ) .. إنه الله الواحد الأحد جل جلاله لا إلاه إلا هو تعالى على الشبيه و المثيل .. ليس كمثله شيء
هذه الترنيمة السماوية .. التي تتردد منذ آلاف السنين .. هي مصر
و ما دخل الإسلام مصر إلا ليذكرنا بها
و لغتنا العربية هي حصننا و محفظة تاريخنا و حروف قرآننا
و هي وجهنا و ملامحنا و التفريط فيها تفريط في ملامحنا و سحنتنا و نسبنا و هويتنا

و القرارات التي نزلت بدرجات اللغة العربية في المجموع إلى مستوى درجات الإنجليزية .. كانت جريمة بكل المقاييس .. أن ننزل بلغتنا إلى مستوي اللغة الثانية بإرادتنا
.. و إصلاح هذا الأمر .. و النهوض بتعليم اللغة العربية واجب في رقبة الجالس علي كرسي وزاره التربية و التعليم .. فما يصلنا من خطابات بلهاء مليئة بالأخطاء يدل على تدهور مستوى هذه اللغة إلى درجه تنذر بالخطر .. و مذيعوا النشرات في التليفزيون يتهجئ
بعضهم الكلمات

و اللغة التي نتبادلها في غفلة و خفه هي صنعه إلهيه .. و الله هو الذي علمها بذاته لآدم .. فهو الذي علم آدم الأسماء كلها
و معلم العربية هو خليفة الله في هذا الشرف الرفيع .. و من يحلم بمثل هذا الشرف ؟

و ندق جرس الإنذار



الاثنين، 29 سبتمبر 2014

العذاب ليس له طبقة ... مقال رائع من روائع الدكتور مصطفى محمود ‫Dr. Mostafa Mahmoud

الذي يسكن في أعماق الصحراء يشكو مر الشكوى لأنه لا يجد الماء الصالح للشرب. و ساكن الزمالك الذي يجد الماء و النور و السخان و التكييف و التليفون و التليفيزيون لو استمعت إليه لوجدته يشكو مر الشكوى هو الآخر من سوء الهضم و السكر و الضغط و المليونير ساكن باريس الذي يجد كل ما يحلم به، يشكو الكآبة و الخوف من الأماكن المغلقة و الوسواس و الأرق و القلق. و الذي أعطاه الله الصحة و المال و الزوجة الجميلة يشك في زوجته الجميلة و لا يعرف طعم الراحة. و الرجل الناجح المشهور النجم الذي حالفه الحظ في كل شيء و انتصر في كل معركة لم يستطع أن ينتصر على ضعفه و خضوعه للمخدر فأدمن الكوكايين و انتهى إلى الدمار. و الملك الذي يملك الأقدار و المصائر و الرقاب تراه عبدا لشهوته خادما لأطماعه ذليلا لنزواته. و بطل المصارعة أصابه تضخم في القلب نتيجة تضخم في العضلات. كلنا نخرج من الدنيا بحظوظ متقاربة برغم ما يبدو في الظاهر من بعد الفوارق. و برغم غنى الأغنياء و فقر الفقراء فمحصولهم النهائي من السعادة و الشقاء الدنيوي متقارب.
فالله يأخذ بقدر ما يعطي و يعوض بقدر ما يحرم و ييسر بقدر ما يعسر.. و لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه و لرأى عدل الموازين الباطنية برغم اختلال الموازين الظاهرية.. و لما شعر بحسد و لا بحقد و لا بزهو و لا بغرور.
إنما هذه القصور و الجواهر و الحلي و اللآلئ مجرد ديكور خارجي من ورق اللعب.. و في داخل القلوب التي ترقد فيها تسكن الحسرات و الآهات الملتاعة. و الحاسدون و الحاقدون و المغترون و الفرحون مخدوعون في الظواهر غافلون عن الحقائق. و لو أدرك السارق هذا الإدراك لما سرق و لو أدركه القاتل لما قتل و لو عرفه الكذاب لما كذب.
و لو علمناه حق العلم لطلبنا الدنيا بعزة الأنفس و لسعينا في العيش بالضمير و لتعاشرنا بالفضيلة فلا غالب في الدنيا و لا مغلوب في الحقيقة و الحظوظ كما قلنا متقاربة في باطن الأمر و محصولنا من الشقاء و السعادة متقارب برغم الفوارق الظاهرة بين الطبقات.. فالعذاب ليس له طبقة و إنما هو قاسم مشترك بين الكل.. يتجرع منه كل واحد كأسا وافية ثم في النهاية تتساوى الكؤوس برغم اختلاف المناظر و تباين الدرجات و الهيئات
و ليس اختلاف نفوسنا هو اختلاف سعادة و شقاء و إنما اختلاف مواقف.. فهناك نفس تعلو على شقائها و تتجاوزه و ترى فيه الحكمة و العبرة و تلك نفوس مستنيرة ترى العدل و الجمال في كل شيء و تحب الخالق في كل أفعاله.. و هناك نفوس تمضغ شقاءها و تجتره و تحوله إلى حقد أسود و حسد أكال.. و تلك هي النفوس المظلمة الكافرة بخالقها المتمردة على أفعاله.
و كل نفس تمهد بموقفها لمصيرها النهائي في العالم الآخر.. حيث يكون الشقاء الحقيقي.. أو السعادة الحقيقية.. فأهل الرضا إلى النعيم و أهل الحقد إلى الجحيم.
أما الدنيا فليس فيها نعيم و لا جحيم إلا بحكم الظاهر فقط بينما في الحقيقة تتساوى الكؤوس التي يتجرعها الكل.. و الكل في تعب. إنما الدنيا امتحان لإبراز المواقف.. فما اختلفت النفوس إلا بمواقفها و ما تفاضلت إلا بمواقفها.
و ليس بالشقاء و النعيم اختلفت و لا بالحظوظ المتفاوتة تفاضلت و لا بما يبدو على الوجوه من ضحك و بكاء تنوعت. فذلك هو المسرح الظاهر الخادع. و تلك هي لبسة الديكور و الثياب التنكرية التي يرتديها الأبطال حيث يبدو أحدنا ملكاو الآخر صعلوكا و حيث يتفاوت أمامنا المتخم و المحروم.
أما وراء الكواليس. أما على مسرح القلوب.
أما في كوامن الأسرار و على مسرح الحق و الحقيقة.. فلا يوجد ظالم و لا مظلوم و لا متخم و لا محروم.. و إنما عدل مطلق و استحقاق نزيه يجري على سنن ثابتة لا تتخلف حيث يمد الله يد السلوى الخفية يحنو بها على المحروم و ينير بها ضمائر العميان و يلاطف أهل المسكنة و يؤنس الأيتام و المتوحدين في الخلوات و يعوض الصابرين حلاوة في قلوبهم.. ثم يميل بيد القبض و الخفض فيطمس على بصائر المترفين و يوهن قلوب المتخمين و يؤرق عيون الظالمين و يرهل أبدان المسرفين.. و تلك هي الرياح الخفية المنذرة التي تهب من الجحيم و النسمات المبشرة التي تأتي من الجنة.. و المقدمات التي تسبق اليوم الموعود.. يوم تنكشف الأستار و تهتك الحجب و تفترق المصائر إلى شقاء حق و إلى نعيم حق.. يوم لا تنفع معذرة.. و لا تجدي تذكرة.
و أهل الحكمة في راحة لأنهم أدركوا هذا بعقولهم و أهل الله في راحة لأنهم أسلموا إلى الله في ثقة و قبلوا ما يجريه عليهم و رأوا في أفعاله عدلا مطلقا دون أن يتعبوا عقولهم فأراحو عقولهم أيضا، فجمعوا لأنفسهم بين الراحتين راحة القلب و راحة العقل فأثمرت الراحتان راحة ثالثة هي راحة البدن.. بينما شقى أصحاب العقول بمجادلاتهم.
أما أهل الغفلة و هم الأغلبية الغالبة فمازالوا يقتل بعضهم بعضا من أجل اللقمة و المرأة و الدرهم و فدان الأرض، ثم لا يجمعون شيئا إلا مزيدا من الهموم و أحمالا من الخطايا و ظمأً لا يرتوي و جوعا لا يشبع.
فانظر من أي طائفة من هؤلاء أنت.. و اغلق عليك بابك و ابك على خطيئتك.
(من روائع دكتور مصطفى محمود رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وغفر له)